يعتبر التحليل الفني مزيجا بين الرياضيات وعلم النفس الجماعي للمتداولين.

ومن بين الأدوات التي تجسد هذا المزيج ببراعة هي مستويات فيبوناتشي، المستمدة من متوالية عددية اكتشفها عالم الرياضيات الإيطالي ليوناردو فيبوناتشي في القرن الثالث عشر.

وعلى الرغم من قدم هذه الأرقام، إلا أنها تظل حجر زاوية في فهم سلوك الأسواق المالية الحديثة، وخاصة عند تداول عقود الفروقات التي تتسم بالديناميكية العالية.

تعتمد الفكرة الأساسية لهذه الأداة على أن الأسواق لا تتحرك في خطوط مستقيمة. بعد كل حركة قوية (سواء صعوداً أو هبوطاً)، يميل السعر إلى التراجع أو “التصحيح” قبل استكمال اتجاهه الأصلي. هنا يأتي دور هذه النسب الرياضية لتوقع المناطق التي قد ينتهي عندها هذا التصحيح ويبدأ السعر في الارتداد.

الأساس الرياضي والمنطق النفسي:

تستند الأداة إلى نسب معينة مستخرجة من المتوالية، وأبرزها 23.6%، 38.2%، 50%، و61.8%. من الناحية الرياضية، النسبة 61.8% هي “النسبة الذهبية” التي تظهر في الطبيعة والعمارة وحتى في الفنون. أما في الأسواق، فإن هذه المستويات تعمل كحواجز نفسية غير مرئية.

عندما يرى آلاف المتداولين حول العالم أن السعر يقترب من مستوى 50% من حركته السابقة، يبدأ الكثير منهم في وضع أوامر الشراء أو البيع عند تلك النقطة. هذا السلوك الجماعي هو ما يحول الأرقام المجردة إلى مستويات دعم ومقاومة فعلية على الرسم البياني. الأمر لا يتعلق بسحر في الأرقام بقدر ما يتعلق بكونها “نبوءة تتحقق ذاتياً” نتيجة اتفاق جمهور المتداولين على أهميتها.

التطبيق العملي في تحديد نقاط الدخول:

لاستخدام هذه الأداة بشكل صحيح، يجب أولا تحديد اتجاه واضح للسوق. في الاتجاه الصاعد، يتم رسم الأداة من أدنى نقطة (القاع) إلى أعلى نقطة (القمة). تظهر المستويات كخطوط أفقية تشير إلى مناطق الدعم المحتملة. أما في الاتجاه الهابط، فيتم الرسم من القمة إلى القاع لتحديد مناطق المقاومة التي قد يفشل السعر في اختراقها أثناء التصحيح الصعودي.

يعتبر مستوى 38.2% إشارة إلى تصحيح ضحل، مما يعكس قوة الاتجاه السائد. بينما يمثل مستوى 61.8% منطقة اختبار حقيقية؛ فإذا ارتد السعر منها، فإن الاتجاه غالباً ما يظل قوياً. أما إذا كسر السعر هذا المستوى واستقر دونه، فقد تكون هذه إشارة مبكرة على أن الاتجاه الأصلي بدأ في الانهيار أو التغير الجذري.

استراتيجية التلاقي: دمج فيبوناتشي مع أدوات أخرى

لا يفضل المحترفون الاعتماد على أداة واحدة بشكل معزول. تزداد قوة الإشارة الفنية عندما تتقاطع عدة مؤشرات عند نفس السعر، وهو ما يسمى بـ “التلاقي” (Confluence). على سبيل المثال، عندما يصل السعر إلى منطقة ارتداد فيبوناتشي بنسبة 50% وكان هذا المستوى يتوافق مع متوسط متحرك بسيط لـ 200 يوم، تصبح المنطقة ذات أهمية فنية مضاعفة.

دمج هذه المستويات مع مؤشرات الزخم مثل مؤشر القوة النسبية (RSI) يعزز من جودة التوقعات. إذا وصل السعر إلى مستوى تصحيح 61.8% وكان مؤشر RSI يشير إلى تشبع بيعي، فإن احتمالية الارتداد الصاعد تزداد. هذا النهج يقلل من الضجيج في السوق ويساعد المستثمر على تصفية الإشارات الضعيفة التي قد تؤدي إلى صفقات خاسرة.

فخاخ شائعة يقع فيها المتداولون:

بالرغم من فاعلية هذه الأداة، إلا أن سوء استخدامها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. أحد أكثر الأخطاء شيوعاً هو رسم الأداة على أطر زمنية قصيرة جداً (مثل دقيقة واحدة)، حيث يكثر الضجيج السعري وتفقد المستويات مصداقيتها. تظهر القوة الحقيقية لهذه النسب على الأطر الزمنية اليومية أو الأسبوعية.

خطأ آخر يتمثل في الانحياز التأكيدي؛ حيث يحاول المتداول “إجبار” المستويات على التوافق مع رؤيته الخاصة للسوق. رسم الأداة من نقاط قمة وقاع غير واضحة أو عشوائية يؤدي إلى رسم مستويات لا يعترف بها السوق. الدقة في اختيار نقطة البداية والنهاية للتحرك السعري هي ما يحدد نجاح الأداة من عدمه.

الاعتماد المفرط: النظر إلى المستويات كخطوط مقدسة لا يمكن كسرها.
إهمال الاتجاه العام: محاولة التداول ضد الاتجاه الرئيسي بمجرد وصول السعر لمستوى فيبوناتشي.
تجاهل الأخبار الاقتصادية: قد تكسر البيانات الاقتصادية الكبرى (مثل قرارات الفائدة) أي مستوى فني مهما كانت قوته.

إدارة المخاطر حول مستويات التصحيح:

تعتبر مستويات فيبوناتشي أدوات ممتازة لتحديد مكان وضع أوامر وقف الخسارة. بدلاً من وضع الوقف في مكان عشوائي، يمكن للمتداول وضعه خلف مستوى فيبوناتشي التالي للمستوى الذي دخل منه. فإذا دخل المتداول صفقة شراء عند مستوى 50%، يمكنه وضع أمر وقف الخسارة أسفل مستوى 61.8% بقليل.

هذا الأسلوب يوفر منطقاً رقمياً لإدارة المخاطر. إذا تجاوز السعر مستوى 61.8%، فإن الفرضية الأساسية للصفقة (وهي أن السعر في مرحلة تصحيح) قد بطلت، وبالتالي يكون الخروج السريع هو القرار الأذكى لحماية رأس المال.

منظور استراتيجي طويل الأمد:

التداول باستخدام هذه النسب يتطلب صبراً وانضباطاً. الأسواق لا تحترم دائماً المستويات بالمليمتر؛ أحياناً يتجاوز السعر المستوى قليلاً قبل أن يرتد، وهو ما يعرف بـ “الاختراق الكاذب”. لذا، من الحكمة انتظار تأكيد برايس أكشن (Price Action) مثل شموع الابتلاع أو المطرقة عند ملامسة المستوى قبل اتخاذ قرار الدخول.

إن فهم أن هذه الأداة هي وسيلة لتحديد مناطق الاحتمالات العالية، وليس التنبؤ بالغيب، هو ما يميز المستثمر الناجح. تظل المرونة في التعامل مع المتغيرات، والقدرة على الاعتراف بخطأ التحليل عند كسر المستويات الأساسية، هي الضمانة الحقيقية للاستمرار في عالم تداول عقود الفروقات المتقلب.

ادعم المحتوى بمشاركته ...

حول الكاتب

شوقي دليمي

صانع محتوى | مختص في التسويق عن طريقه | مؤسس وصاحب بعض المشاريع التقنية.

أترك تعليقا

التعليقات

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.